ابن عبد الرحمن الملطي

72

التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع

فجعلوا الفكر بهذا غاية عبادتهم ، ومنتهى إرادتهم ينظرون بأرواحهم في تلك الفكرة إلى هذه الغاية فيتلذذون بمخاطبة الله لهم ، ومصافحته إياهم ، ونظرهم إليه زعموا ويتمتعون بمجامعة الحور العين ، ومفاكهة الأبكار على الأرائك متكئين ، ويسعى عليهم الولدان المخلدون بأصناف الطعام ، وألوان الشراب وطرائف الثمار ، ولو كانت الفكرة في ذنوبهم الندم عليها والتوبة منها والاستغفار لكان مستقيما ، وأما هذه الفكرة فبوبها الشيطان ، لأنه لا يتلذذ بلذات الجنة إلا من صار إليها يوم القيامة ، وهكذا وعد الله عباده المؤمنين والمؤمنات . ومنهم صنف من الروحانية زعموا : أن حب الله يغلب على قلوبهم ، وأهوائهم ، وإرادتهم حتى يكون حبه أغلب الأشياء عليهم ، فإذا كان كذلك عندهم كانوا عنده بهذه المنزلة ، ووقعت عليهم الخلة من الله ، فجعل لهم السرقة ، والزنا ، وشرب الخمر والفواحش كلها على وجه الخلة التي بينهم وبين الله لا على وجه الحلال ولكن على وجه الخلة كما يحل للخليل الأخذ من مال خليله بغير إذنه . منهم : رباح وكليب كانا يقولان بهذه المقالة ويدعوان إليها . كذب أعداء الله وكيف يكون ذلك وإبراهيم الخليل خليل الرحمن عليه السلام يسأل يوم القيامة أن يشفع للناس إلى ربهم ليحكم بينهم فيقول : لست هناك ويذكر ثلاث كذبات كذا روى عن النبي عليه السلام أنه قال : ومنهم صنف من الروحانية زعموا : أنه ينبغي للعباد أن يدخلوا في مضمار الميدان حتى يبلغوا إلى غاية السبقة من تضمير أنفسهم وحملها على المكروه فإذا بلغت تلك الغاية أعطى نفسه كل ما تشتهى وتتمنى ، وإن أكل كل الطيبات كأكل الأراذلة من الأطعمة ، وكان الصبر والخبيص عنده بمنزلة ، وكان العسل والخل عنده بمنزلة ، فإذا كان كذلك فقد بلغ غاية السبقة ، وسقط عنه تضمير الميدان واتبع نفسه ما اشتهت . منهم : ابن حبان كان يقول هذه المقالة . ومنهم صنف يقولون : إن ترك الدنيا إشغال للقلوب وتعظيم للدنيا ومحبة لها ولما عظمت الدنيا عندهم تركوا طعامها ، ولذيذ شرابها ، ولين لباسها ، وطيب رائحتها ،